الشيخ الطبرسي

52

تفسير جوامع الجامع

وعشرين ليلةً لَمْ يكنْ بينَهُم وبين المسلمينَ قِتَالٌ إلاَّ الرَّميِ بالنَّبلِ والحِجَارةِ ، غَير أَنَّ فَوارسَ من قُريش مِنهُم عَمرو بنُ عبد ودٍّ ، وضرَارُ بنُ الخطَّابِ ، وهُبيرةُ بنُ أَبي لَهَب ، ونَوفَلُ بنُ عبد اللهِ خَرَجُوا على خُيُولِهِم حتَّى مرّوا ببني كِنَانَةَ فقالُوا : تَهيَّأُوا للحربِ فَستعلَمُونَ اليومَ مَن الفُرسان ، ثمَّ أَقبلُوا تَعنقُ بِهِم خُيُولُهم حتّى وقفُوا علَى الخَندقِ فقالُوا : واللهِ إنَّ هذه لَمَكيدَةٌ ما كانَتِ العربُ تكيدُها ، ثمَّ تيمَّمُوا مَكَاناً ضَيِّقاً من الخندقِ فَضَربُوا خُيُولَهم فاقتَحَمُوا ، ونَادى عمرو وكان يعدُّ بألفِ فَارس : مَن يبارز ؟ فَقَامَ عليٌّ ( عليه السلام ) وهو مقنَّع في الحَديدِ فقال له : أنا له يا رسول الله ، فَقَالَ : إنَّه عمروٌ ، اجلسْ ، ونادى عمرو الثانيةَ والثالثةَ يقولُ : أَلاَ رَجُلٌ ؟ أين جنَّتُكُم الَّتي تزعَمُونَ أنَّ مَن قُتِل منكُم دَخَلَها ؟ فَقَامَ عليٌّ ( عليه السلام ) ، فأَذِنَ لَهُ رسولُ الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وأَلْبَسَهُ درْعَهُ ذَاتَ الفُضُولِ ، وأعْطَاه ذا الفَقّارِ ، وعمَّمَهُ عَمامَتَه السَّحَاب ، وَقَالَ : اللّهم احفظْهُ من بين يديَهِ ومِن خَلْفِهِ وعن يمينِهِ وعن شمالِهِ ومِن فَوقِ رأسِهِ ، ومِن تَحتَ قَدَمَيْهِ ، وتَجَاولاَ فَضَرَبَهُ عمرو في الدَّرقة فَقَدَّها وأَصَابَ رأسَهُ فَشَجَّهُ ، وضَرَبَه عليٌّ ( عليه السلام ) وثَارَتْ بينَهُما عجاجَةٌ ، فسُمِعَ عليٌّ ( عليه السلام ) يُكَبِّرُ ، فَقَالَ النبيُّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : قَتَلَهُ والَّذي نَفسي بيدِهِ ، فَجَزَّ عليٌّ رأْسَهُ وأَقْبَلَ نحوَ رسولِ الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ووجْهُهُ يَتَهَلَّلُ ، فَقَالَ النبيُّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : أَبْشِرْ يا عليُّ ، فَلَو وُزنَ اليومَ عملُكَ بعملِ أُمّةِ محمَّد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لَرَجحَ عملُكَ بعَمَلِهِم ( 1 ) . ( إذْ جَاءُوكُمْ مِّنْ فَوْقِكُمْ ) من أَعْلَى الوادي من قِبَلِ المشرقِ بنُو غَطَفَان ( وَمِنْ أسْفَلَ مِنْكُمْ ) من أسفِ الوادي من قِبَلِ المغربِ قُريش ( وَإذْ زَاغَتِ الأبْصرُ ) مَالَتْ عن سُنَنهَا حِيرَة وشخُوصَاً ، وقيلَ : عَدَلَتْ عن كلِّ شيء فَلَمْ تلتفِتْ

--> ( 1 ) أنظر تفسير القمي : ج 2 ص 176 - 188 .